المنتحرون الشجعان

أغسطس 31, 2017

في السويد تحدث حالات انتحار هائلة، و لكن لا أحد يعرف عنها شيئا، لأن الصحف لا تتكلم عنها، و لأن الشرطة لا تعطي أية تفاصيل عن تلك الحوادث المروعة و الحزينة. يمكن لأي شخص أن يدرك أن أحدا ما انتحر في هذا أو ذلك المكان عندما يمر من فوق الجسر و يجد بأن البلدية قد وضعت على جوانبه أسلاكا شائكة طويلة، السبب واضح، أكثر من شخص ألقى بنفسه من فوق ذلك الجسر، لقد أنهوا حياتهم بالسقوط في بحر البلطيق، في البحيرات المتجمدة أو على السيارات و القطارات..

قبل أيام مررت من على جسر في فليمنغاتان، رأيت شابا يتأمل القطارات بغرابة، بسرعة فكرت بأنه ربما يخطط بالانتحار، شعرت بالخوف، و لكن جوانب الجسر كانت مسيجة، آه شعرت بالارتياح.. في نفس اليوم مررت من على جسر آخر فوق بحيرة، لم يكن مسيجا، نظرت إلى الماء و كان بامكاني رؤية نهاية العمق، حيث الرمل و الحصى، إذن تلك البحيرة ليست مكانا جيدا للانتحار، إنها تحفظ الحياة بعمقها الضئيل، الأعماق التي بلا نهاية هي التي تغري المنتحرين..

أمس كانت الأخبار من الجانب الآخر من العالم، هناك، من غزة أتت، من المدينة التي نشأت فيها بكل تدهور الأيام و بؤس الحياة.. شاب جميل كان يكتب القصص و ينتحر بفشل بشع، و لكن فقط أمس نجح في الانتحار و ذهب إلى تلك الأعماق التي تشبه بحيرات السويد في ظلمة الشتاء. نعم، لا أريد أن أضيف شاعريتي لوصف انتحار ذلك الشاب، لأنني أبتعد عن الرومانسية عند الكتابة، كي أكون أكثر صدقا و اقناعا. المهم، الشرطة و الجيران و الصحافة و ناس المدينة و الفيس بوك و الكل ضجّ بقصص و أخبار انتحار الشاب، كيف انتحر، و انتشرت التفاصيل و الكل عرف بالضبط كيف و لماذا و متى..

الفرق بين الانتحار هنا و هناك، أن الشرطة و الصحافة تتمنع عن الادلاء بأي انتحار حدث، حتى أنهم لا يفصحون عن أعداد المنتحرين، أسماءهم، أو أي شيء آخر.. السبب بكل بساطة، إنهم لا يريدون أن يلهموا اليائسين و البؤساء الشجعان بطريقة لانهاء حياتهم. يجب أن لا تؤثر قصص المنتحرين على بقية الناس الذين يعانون من كآبة أو أزمات حياتية. احتفظوا بقصصهم الحزينة و حاولوا تنظيف المدينة من أسباب الانتحار.

Advertisements

مقطع من بارات ليالي السبت/2

أكتوبر 27, 2016

Midnight in Stockholm

Midnight in Stockholm

خرجنا من البار متعبين من الصخب و من ثرثرات النبيذ و البيرة. اقترح فريدريك أن ندهب إلى بار في المدينة القديمة، لم يعجبني اقتراحه، لأنه أصلا لا يعرف استكهولم و يحاول أن لا يبدو بمظهر السويدي القادم من ريف تيمرو. منتصف الليل، برد، نمشي، نبحث عن مكان دافئ، المقاهي و البارات تعج بالناس، آخر أيام الأسبوع، يصاب السويدي بالهوس، أقصد الشباب، مشينا حتى منتصف الليل، وصلنا مكان لا أعرفه حتى اللحظة، كنا فقط نمشي، نتكلم عن أي شيء، نحذف أوراق شجر في الشارع فتطير نحونا. قادنا توماس إلى غابة مجهولة، معظمنا كان من تيمرو، و أنا من استكهولم، و لكنني لا أعرف، كنا نتبعه، نتسلق الصخور، العتمة ترشدنا إلى رأس التلة السوداء، كانوا يغنون كلمات سويدية بدت تافهة، لكنها جميلة، كل شيء كان جميلا جيدا، من فوق الأرض، المدينة و البحيرة و الشوارع كانت تحتنا، البرد قارص، الريح تتكون في الأعلى، نجلس هناك، على قمة غابة قطبية مجهولة، نفكر بلاشيء. العالم كله يحتاج إلى كأس و غابة و جلسة بذهن خالٍ.

مقطع من بارات ليالي السبت

يونيو 20, 2016
13450050_10208093830318529_4124641170999603106_n

Hornhuset-Stockholm . 

كما كل ليالي العطل الأسبوعية، كانت البارات تصخب بالموسيقى و الناس. المطر الصيفي الممل لا يتوقف، يشبه حبالا طويلة تمتد من السماء و تسقط على رؤوسنا. التقينا عند مدخل محطة القطار و ذهبنا إلى بار يسمى ‘قطط الخبز الريفي’. كان البار صغيرا جدا مثل صندوق كرتوني للقطط النائمة، اخترنا زاوية قريبة من الشباك لنتمكن من رؤية بقية الأصدقاء عندما يصلوا، طلبت صديقتي كأس نبيذ و أنا طلبت علبة كولا لأن علاقتي غير جيدة مع أي شيء يحتوي الكحول. جاء كاه مبللا و شعره الافريقي ملفوف على رأسه بشكل جعله يشبه غيمة سوداء، ثم لاحقا انضم هانس إلينا و بدأنا الثرثرة عن كل شيء ممكن أن نثرثره في بار صغير قرب محطة القطار. كان المكان يزداد صخبا، الكؤوس و الموسيقى و صوت ازاحة الكراسي الطويلة و تحركات الشبان المتحمسيين.. قررنا تغيير البار و غادرناه بسرعة، تأخر الوقت قليلا، بعد منتصف الليل أربع شبان من بلدان مختلفة يمشون في استكهولم، نمشي بأحذية الغرباء الفضوليين، اقترحت عليهم أن نذهب إلى بار كبير قريب من بيتي، كانوا متأهبين لأي اقتراح، كان هانس يضع جاكيته على رأسه، تطلع إلى كاه و قال ‘أرشدنا إلى الطريق أيها الافريقي’، كانت مزحة ثقيلة لم نحبها جميعا، اعتذر و تابعنا المشي.
قبل دخول البار اكتشفت أنني نسيت هويتي في البيت، و بالتالي لن يسمح الحارس بدخولي البار، دائما ذلك النوع من البارات الكبيرة تكون صارمة و ملزمة بالسؤال عن السن القانوني، وقفت خلف أصدقائي ليعرف الحارس أنني بمثل أعمارهم، و بالفعل نجحت و دخلت. جلسنا في الطابق الثاني، كانت الجدران مخفية خلف صور غامضة و مسامير معلق عليها قفازات سوداء مخيفة.. الأضواء الزرقاء تسقط متناثرة على الناس، الموسيقى يتغير ايقاعها بين الفينة و الأخرى، و نحن نجلس هناك، بكل القصص التي أتينا لأجلها في هذه المدينة، الصدفة الجميلة أننا أتينا من أجل الحب، لم يكن بيننا أحد هارب من حرب أو ديكتاتور.. بعد دقائق انضم إلينا مجموعة أصدقاء سويديين، طلبوا عشرين كأس نبيذ دفعة واحدة، و رفعوا كؤوسهم لمباركة ليلة السبت الحرة من الدراسة و العمل و المسؤوليات.

مقطع من الجمال الوحيد

يونيو 20, 2016

غامض، جاهل، منطوٍ، متردد، خجول، شكاك، دائما يجلس على نفس الصوفا الخضراء مثل جثة ميتة، يقرأ روايات بوليسية، لا يتكلم معي أبدا، ليس بيننا أي حوار يذكر، لا نتكلم إلا عندما نتشاجر، حتى عندما نتصادم بعنف فإنه لا يثيرني، ممل بغضبه و في كل الحالات. أيام العطلة لا يخرج أبدا، من منا لا يحب العطلة و أيام الصيف المعتدلة في استكهولم؟ هو ميت، مجرد رجل سويدي خرج من عصور الثلج ليجمد حياتي، لماذا لا يقول كلمة واحدة، حرف واحد، نفس واحد في وجهي المجنون. تمر أيام طويلة و هو على الصوفا و أنا أقف عند الشباك و أتطلع إلى الرجال في حديقة البناية، يدفعون عربات أطفالهم بفرح، يمسكون أيدي زوجاتهم أو حبيباتهم، يتحدثون إلى التلفون.. حتى تلفونه، لم أسمعه مرة يرن، ولا مرة رفعه ليتكلم مع أحد، الوحدة تقتلني، أعيش مع حائط خشبي إسمه هوجو، دائما مرمي بجسده الميت و يقرأ، دائما يعذبني جماله الوحيد.

أموات ينتظرون حجر النرد الناري

مايو 7, 2016

عندما تصبح الحروب
هي الحل الوحيد في هذه المدينة..
الحروب التي تعدت الثلاث
مثل حجر نرد ناري
ترميه يد واحدة
و لكن في قلوب الموتى..
الناس الموتى ينتظرون الحجر الرابع
أطلقيه أيتها اليد خالمتمرسة في النار
أحرقي المزيد من القلوب
المهم استمري في اللعب
الخصم ذكي و لا يمل
إنه جاهز للمناورات المكررة
و نحن، الناس الموتى، لن تعنينا انتصاراتكم
ما دمنا الطاولة الممتعة لأحجاركم النارية.

عشرون علبة سردين

مارس 27, 2016

123
لقد تفننا كثيرا في استخدام السردين
مرة نأكلها بدون شيء
و مرات مع سلطة المعكرونة
و أحيانا إلى جانب الفول
ماذا يفعل الانسان بعشرين علبة سردين؟
مخزنة في غرفة النوم
تحت سرير أمي
غنيمة أيام الحرب التي توصف باللعنات.

علب السردين المنقطة باللون الأحمر
مكتوب عليها ‘تبرع من اليابان’..
في الحرب لا نفكر بالشفقة
نريد أن يرسلوا لنا بطاطين دافئة
و أن يتبرعوا لنا بعلب السلام..

كنت أعد الساعات و الليالي
و أعض الوقت بحزن
هيا أيتها الحرب
انصرفي من وجوهنا
لقد تعبنا منك
اتركينا نجلي قلوبنا من الخوف
خذي علب السردين
التي جلبتها معك
لسنا جوعى
لدينا في الثلاجة طعام و قطع ثلج للعصير
و لكننا لا نستطيع الرجوع
أيتها الحرب
على الأقل تمهلي في تعذيبنا.

لعبنا كرة القدم
بعلب السردين الفارغة
كان الحكم امرأة نحيلة
تنشر الغسيل و تراقبنا
و تشتم الغشاش في نفس الوقت
كنا نمرر العلبة بين الأرجل
و نسدد أهدافا لها رائحة البحر

خلق الله سمك السردين،
و صيادين أقوياء
فقط لأجلنا في الحروب..
يصطادون السردين،
يعلّبونه
و يلصقون عليه عبارات حزينة..
كل ذلك لأجلنا.
سوف نظل نشم رائحة البحر
و نتخيل الشاطئ
و القوارب التي لا بد و أنها جميلة
و نأكل السمك الحر
حين نختبئ في الملاجئ الرديئة..
سوف نعيش حتى آخر حرب
حتى آخر سمكة سردين يصطادونها لأجلنا.

مقهى الوقت المتأخر

فبراير 22, 2016

ذهبت مع صديقتي إلى مقهى لأول مرة ندخله.. كان الوقت متأخرا و الثلج ينزل في الخارج، لذلك لجألنا إلى أول مقهى نصادفه. كانت الأضواء البلورية لونها أحمر، و شموع طويلة على الطاولات، و موسيقى سويدية لا أفهمها تنبعث من جهاز متطور.. طلبنا من النادلة قهوة بالحليب، ابتسمت النادلة لصديقتها بكل لطف و قالت ‘سوف نحضر كوبين لكما خلال خمس دقائق لأننا نقدم فقط البيرة و النبيذ’. جلست مع صديقتي على كراسي عالية، كان معي صندوق بيتزا اشتريته قبل أن ألتقي بها، وضعت الصندوق على الأرض، كانت الأرضية جميلة، كل شيء كان جميلا.. و كل شيء أصبح بشعا فيما بعد. تناولنا كوب القهوة بالحليب و ثرثرنا لمدة ساعة كاملة، إلى أن لاحظت شيئا غريبا يحدث حولنا، قلت بصوت واطئ لصديقتي ‘ألا تلاحظين أن كل الناس حولنا فقط نساء؟’. جالت صديقتي بنظرها كل المقهى و انفجرت ضحكا، انفجرنا ضحكا و غادرنا المكان بسرعة. كان مقهى مخصصا فقط للنساء الشاذات. و كما هو معروف عني بأنني أخاف من الحشرات و الحروب و الشواذ، فقد كان ذلك أسوأ مساء في حياتي. لا أريد تفسيرا لخوفي من تلك الأشياء، فقط كانت أيضا أسوأ قهوة بالحليب..
قالت صديقتي ممازحة لتخفف صدمتي ‘لقد بدونا لهن زوجتين رائعتين، لقد دفعت عنك حساب الكوب و كنت أنت تحملين صندوق بيتزا هاها’.