مقطع من بارات ليالي السبت

يونيو 20, 2016
13450050_10208093830318529_4124641170999603106_n

Hornhuset-Stockholm . 

كما كل ليالي العطل الأسبوعية، كانت البارات تصخب بالموسيقى و الناس. المطر الصيفي الممل لا يتوقف، يشبه حبالا طويلة تمتد من السماء و تسقط على رؤوسنا. التقينا عند مدخل محطة القطار و ذهبنا إلى بار يسمى ‘قطط الخبز الريفي’. كان البار صغيرا جدا مثل صندوق كرتوني للقطط النائمة، اخترنا زاوية قريبة من الشباك لنتمكن من رؤية بقية الأصدقاء عندما يصلوا، طلبت صديقتي كأس نبيذ و أنا طلبت علبة كولا لأن علاقتي غير جيدة مع أي شيء يحتوي الكحول. جاء كاه مبللا و شعره الافريقي ملفوف على رأسه بشكل جعله يشبه غيمة سوداء، ثم لاحقا انضم هانس إلينا و بدأنا الثرثرة عن كل شيء ممكن أن نثرثره في بار صغير قرب محطة القطار. كان المكان يزداد صخبا، الكؤوس و الموسيقى و صوت ازاحة الكراسي الطويلة و تحركات الشبان المتحمسيين.. قررنا تغيير البار و غادرناه بسرعة، تأخر الوقت قليلا، بعد منتصف الليل أربع شبان من بلدان مختلفة يمشون في استكهولم، نمشي بأحذية الغرباء الفضوليين، اقترحت عليهم أن نذهب إلى بار كبير قريب من بيتي، كانوا متأهبين لأي اقتراح، كان هانس يضع جاكيته على رأسه، تطلع إلى كاه و قال ‘أرشدنا إلى الطريق أيها الافريقي’، كانت مزحة ثقيلة لم نحبها جميعا، اعتذر و تابعنا المشي.
قبل دخول البار اكتشفت أنني نسيت هويتي في البيت، و بالتالي لن يسمح الحارس بدخولي البار، دائما ذلك النوع من البارات الكبيرة تكون صارمة و ملزمة بالسؤال عن السن القانوني، وقفت خلف أصدقائي ليعرف الحارس أنني بمثل أعمارهم، و بالفعل نجحت و دخلت. جلسنا في الطابق الثاني، كانت الجدران مخفية خلف صور غامضة و مسامير معلق عليها قفازات سوداء مخيفة.. الأضواء الزرقاء تسقط متناثرة على الناس، الموسيقى يتغير ايقاعها بين الفينة و الأخرى، و نحن نجلس هناك، بكل القصص التي أتينا لأجلها في هذه المدينة، الصدفة الجميلة أننا أتينا من أجل الحب، لم يكن بيننا أحد هارب من حرب أو ديكتاتور.. بعد دقائق انضم إلينا مجموعة أصدقاء سويديين، طلبوا عشرين كأس نبيذ دفعة واحدة، و رفعوا كؤوسهم لمباركة ليلة السبت الحرة من الدراسة و العمل و المسؤوليات.

مقطع من الجمال الوحيد

يونيو 20, 2016

غامض، جاهل، منطوٍ، متردد، خجول، شكاك، دائما يجلس على نفس الصوفا الخضراء مثل جثة ميتة، يقرأ روايات بوليسية، لا يتكلم معي أبدا، ليس بيننا أي حوار يذكر، لا نتكلم إلا عندما نتشاجر، حتى عندما نتصادم بعنف فإنه لا يثيرني، ممل بغضبه و في كل الحالات. أيام العطلة لا يخرج أبدا، من منا لا يحب العطلة و أيام الصيف المعتدلة في استكهولم؟ هو ميت، مجرد رجل سويدي خرج من عصور الثلج ليجمد حياتي، لماذا لا يقول كلمة واحدة، حرف واحد، نفس واحد في وجهي المجنون. تمر أيام طويلة و هو على الصوفا و أنا أقف عند الشباك و أتطلع إلى الرجال في حديقة البناية، يدفعون عربات أطفالهم بفرح، يمسكون أيدي زوجاتهم أو حبيباتهم، يتحدثون إلى التلفون.. حتى تلفونه، لم أسمعه مرة يرن، ولا مرة رفعه ليتكلم مع أحد، الوحدة تقتلني، أعيش مع حائط خشبي إسمه هوجو، دائما مرمي بجسده الميت و يقرأ، دائما يعذبني جماله الوحيد.

أموات ينتظرون حجر النرد الناري

مايو 7, 2016

عندما تصبح الحروب
هي الحل الوحيد في هذه المدينة..
الحروب التي تعدت الثلاث
مثل حجر نرد ناري
ترميه يد واحدة
و لكن في قلوب الموتى..
الناس الموتى ينتظرون الحجر الرابع
أطلقيه أيتها اليد خالمتمرسة في النار
أحرقي المزيد من القلوب
المهم استمري في اللعب
الخصم ذكي و لا يمل
إنه جاهز للمناورات المكررة
و نحن، الناس الموتى، لن تعنينا انتصاراتكم
ما دمنا الطاولة الممتعة لأحجاركم النارية.

عشرون علبة سردين

مارس 27, 2016

123
لقد تفننا كثيرا في استخدام السردين
مرة نأكلها بدون شيء
و مرات مع سلطة المعكرونة
و أحيانا إلى جانب الفول
ماذا يفعل الانسان بعشرين علبة سردين؟
مخزنة في غرفة النوم
تحت سرير أمي
غنيمة أيام الحرب التي توصف باللعنات.

علب السردين المنقطة باللون الأحمر
مكتوب عليها ‘تبرع من اليابان’..
في الحرب لا نفكر بالشفقة
نريد أن يرسلوا لنا بطاطين دافئة
و أن يتبرعوا لنا بعلب السلام..

كنت أعد الساعات و الليالي
و أعض الوقت بحزن
هيا أيتها الحرب
انصرفي من وجوهنا
لقد تعبنا منك
اتركينا نجلي قلوبنا من الخوف
خذي علب السردين
التي جلبتها معك
لسنا جوعى
لدينا في الثلاجة طعام و قطع ثلج للعصير
و لكننا لا نستطيع الرجوع
أيتها الحرب
على الأقل تمهلي في تعذيبنا.

لعبنا كرة القدم
بعلب السردين الفارغة
كان الحكم امرأة نحيلة
تنشر الغسيل و تراقبنا
و تشتم الغشاش في نفس الوقت
كنا نمرر العلبة بين الأرجل
و نسدد أهدافا لها رائحة البحر

خلق الله سمك السردين،
و صيادين أقوياء
فقط لأجلنا في الحروب..
يصطادون السردين،
يعلّبونه
و يلصقون عليه عبارات حزينة..
كل ذلك لأجلنا.
سوف نظل نشم رائحة البحر
و نتخيل الشاطئ
و القوارب التي لا بد و أنها جميلة
و نأكل السمك الحر
حين نختبئ في الملاجئ الرديئة..
سوف نعيش حتى آخر حرب
حتى آخر سمكة سردين يصطادونها لأجلنا.

مقهى الوقت المتأخر

فبراير 22, 2016

ذهبت مع صديقتي إلى مقهى لأول مرة ندخله.. كان الوقت متأخرا و الثلج ينزل في الخارج، لذلك لجألنا إلى أول مقهى نصادفه. كانت الأضواء البلورية لونها أحمر، و شموع طويلة على الطاولات، و موسيقى سويدية لا أفهمها تنبعث من جهاز متطور.. طلبنا من النادلة قهوة بالحليب، ابتسمت النادلة لصديقتها بكل لطف و قالت ‘سوف نحضر كوبين لكما خلال خمس دقائق لأننا نقدم فقط البيرة و النبيذ’. جلست مع صديقتي على كراسي عالية، كان معي صندوق بيتزا اشتريته قبل أن ألتقي بها، وضعت الصندوق على الأرض، كانت الأرضية جميلة، كل شيء كان جميلا.. و كل شيء أصبح بشعا فيما بعد. تناولنا كوب القهوة بالحليب و ثرثرنا لمدة ساعة كاملة، إلى أن لاحظت شيئا غريبا يحدث حولنا، قلت بصوت واطئ لصديقتي ‘ألا تلاحظين أن كل الناس حولنا فقط نساء؟’. جالت صديقتي بنظرها كل المقهى و انفجرت ضحكا، انفجرنا ضحكا و غادرنا المكان بسرعة. كان مقهى مخصصا فقط للنساء الشاذات. و كما هو معروف عني بأنني أخاف من الحشرات و الحروب و الشواذ، فقد كان ذلك أسوأ مساء في حياتي. لا أريد تفسيرا لخوفي من تلك الأشياء، فقط كانت أيضا أسوأ قهوة بالحليب..
قالت صديقتي ممازحة لتخفف صدمتي ‘لقد بدونا لهن زوجتين رائعتين، لقد دفعت عنك حساب الكوب و كنت أنت تحملين صندوق بيتزا هاها’.

شجرة التوت

فبراير 14, 2016

شجرة لا أستطيع نسيانها.. شجرة التوت التي كانت في مزرعتنا. كنا ننتظر عطلة الصيف بفارغ الصبر كي يربط لنا أبي حبالا متينة في أحد جذوعها، و يضع في المنتصف وسادة و تصبح أرجوحتنا طيلة الصيف الحار. كنا نستيقظ قبل شروق الشمس و نتسلل إلى المزرعة لأجل التمرجح و تسلق الشجرة لقطف التوت، و صناعة الكيك بالرمل الطري من كثرة الندى. و لكن كل ذلك انتهى حين تشاجرنا و اكتشف أبي سر اختفاء بيض الدجاجات، لقد عرف أن أختي كانت تكسر البيض و تخلطه بالرمل الندي لتصنع الكيك لنا، و عرف أن أخي كان يقطع الأسلاك الصغيرة من قفص العصافير كي يصنع نظارات لي لأنني كنت أمثل دور القارئة الجدّية.. حمقى، لقد كسرتم تعبي. لم يفهم أحدنا شيء، كنا خائفين من غضب أبي، و لشدة الخوف تخيلت أن أحبال الأرجوحة سوف تتحول إلى مشنقة. عاقبنا أبي باغلاق المزرعة، و انصرفنا جميعا إلى البيت و عدنا إلى لعبتنا القديمة نبني خيما من الوسائد و الأغطية و الفراش الاسفنجي.

نعمة الجوع

فبراير 9, 2016

( من ترجمتي لمقال للكاتبة سادي ستين، مجلة ذا باريس ريفيو.. اضغط هنا لقراءة المقال الأصلي)

cookout

كان ذلك في أوج شهر آب عندما طبخت له للمرة الأولى.. كانت طبخة بسيطة جدا مكونة من السلطة و معكرونة الباستا و بعض حبات الخوخ المشوية التي تقدم مع الآيس كريم. لم يكن ذلك مميزا, مع ذلك بدا و كأنه أحب الطعام. كان يخيل إليّ أنه مكتوب على الجدار قبالتي: هذا الرجل يأكل ليعيش, و ليس العكس.

غالبا ما أقوم بمراجعة طبختي السابقة ( قد يبدو ذلك سخيفا بالنسبة إلى البعض),أختبر شهوتي, ثم أخطط لطبخة جديدة.. و لكنني هذه الأيام المتعبة, عندما يسرقني المرض, أتذكر رائحة الطعام المنبعثة من الافلام و الكتب و التي تكون أفضل من أي رائحة أخرى.. وقتها تكون المدينة مرتبة روحيا و بمنطقية حسب الحلويات و الهامبرغر, متخذة من عيدان المعكرونة اشارات و دلالات..
– التجول في المدن قد يكون فرصة لتذوق طعام جديد, و اكتشاف شهية أخرى و الاقدام على التجربة بعمق..

ايريس مردوخ, واحدة من الكتاب الجادين القلائل, لم تنكر عراكها مع معدتها و حبها تناول الطعام بكثرة: “بالطبع القراءة و التفكير مهمان, يا إلهي, و لكن الطعام أيضا مهم.. كم نحن محظوظون لأننا كائنات تأكل.. كل نوع من الطعام لا بد و أنه علاج و بالتالي علينا أن نشكر اليوم الذي يمنحنا الجوع و الحاجة إلى هضم طعام ما.”

مرة أحبطني أخي بشكل بائس عندما كان يصطنع السعادة و يتمنى أنه فقط لو يستطيع تجرع حبوب يمنعه عن الطعام, أشفقت عليه, كيف يريد أن يعيش بدون شهية.. والدي أيضا لا يبالي بملذات المائدة!, و لكنها لطالما كانت حيلة فاشلة, لا سيما عندما ألاحظ شغفه بطعام الشيف بوياردي, و المحار المدخن, و بعض علب الغذاء الخاصة بالأطفال ( واضح ذالك عندما نكتشف العلب الفارغة المرصوصة على الطاولة).

الرجل الذي ذكرته قبل قليل, سوف يلعب دورا مهما في حياتي, على الأقل انه رجلا ليس من ذلك النوع الذي يتخذ شعار “الغذاء طاقة”. يجتهد ليكون كل شيء, تعجبه طبخاتي, يحب سمك االتاكو بالقدر الذي يحبه الرجل التالي, لكنه في الواقع لا يعطي الأمر أهمية.

لا شك و أن أدب الطعام يطفح بمعاناة الذواقين و خبراء المطبخ, بداية من روخ ريكل التي تكره خبراء المأكولات ( اقرأ التفاصيل في كتاب: التفاح عزائي ), و اماندا هاسير و السيد لاتي ( الطبخ للسيد لاتي), و جولي باول و زوجها (جولي و جوليا), و تمسن دي لويس, و العاشق في “أين سوف نتناول العشاء؟”.
– ما المأكولات التي يتناولها زوجان سعيدان و منسجمان مع بعضهما البعض.


تابع

احصل على كل تدوينة جديدة تم توصيلها إلى علبة الوارد لديك.

انضم 143 متابعون آخرين